عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

8

اللباب في علوم الكتاب

وثامنها : قوله : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ [ الأنفال : 53 ] . وتاسعها : قوله : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ [ يونس : 5 ] . وعاشرها : قوله : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [ يونس : 22 ] إلى قوله : يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ [ يونس : 23 ] . واعلم أن الخلاف في هذه المسألة لفظي ؛ لأنه لا نزاع في أن الحياة والعقل والسمع والبصر ، وأنواع الرزق ، والمنافع من اللّه - تعالى - إنما الخلاف في أن أمثال هذه المنافع إذا حصل عقيبها تلك المضارّ الأبدية ، هل يطلق عليها في العرف اسم النعمة أم لا ؟ ومعلوم أن ذلك نزاع في مجرّد عبارة . فصل في النعم المخصوصة ببني إسرائيل وهي كثيرة منها : استنقذهم من فرعون وقومه ، وخلّصهم من العبودية وأولادهم من القتل ونساءهم من الاستحياء ، وخلصهم من البلاء ، ومكنهم في الأرض ، وجعلهم ملوكا ، وجعلهم الوارثين بعد أن كانوا عبيدا للقبط ، وأهلك أعداءهم وأورثهم أرضهم وديارهم ، وأموالهم ، وأنزل عليهم [ الكتب العظيمة ، وجعل فيهم أنبياء ، وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين ، وظللّ عليهم الغمام ، وأنزل عليهم ] « 1 » المنّ والسّلوى ، وأعطاهم الحجر ليسقيهم ما شاءوا من الماء متى أرادوا ، فإذا استغنوا عن الماء رفعوها فاحتبس الماء عنهم ، وأعطاهم عمودا من النور يضيء لهم بالليل ، وكانت رؤوسهم لا تتشعّث وثيابهم لا تبلى . رواه « ابن عباس » . فصل في سبب تذكيرهم بهذه النعم قال ابن الخطيب « 2 » : إنما ذكرهم بهذه النعم لوجوه : أحدها : أن في جملة النعم ما يشهد بصدق محمد صلى اللّه عليه وسلم وهي التوراة ، والإنجيل ، والزّبور . وثانيها : أن كثرة النعم توجب عظم المعصية ، فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا مخالفة ما دعوا إليها من الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وبالقرآن . وثالثها : أن تذكّر النعم الكثيرة يفيد الحياء عن إظهار المخالفة . ورابعها : أن تذكر النعم الكثيرة يفيد أن المنعم خصّهم من بين سائر الناس بها ، ومن خص أحدا بنعم كثيرة ، فالظاهر أن تذكر تلك النعم يطمع في النّعم الآتية ، وذلك الطمع مانع من إظهار المخالفة والمخاصمة .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ينظر الفخر الرازي : 3 / 32 .